أحمد زكي صفوت

523

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

وأما ما ذكرت من غارة الضّحاك بن قيس على أهل الحيرة ، فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ « 1 » بها أو يدنو منها ، فضلا عن الغارة ، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل ، فأخذ على السّماوة ، حتى مرّ بواقصة وشراف ، والقطقطانة وما والى ذلك الصّقع ، فسرّحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك شمّر هاربا ونكص نادما ، فاتّبعوه فلحقوه ببعض الطريق ، وقد أمعن في السير ، وقد طفّلت « 2 » الشمس للإياب ، فاقتتلوا شيئا كلا ولا « 3 » ، فما كان إلا كموقف ساعة ، حتى ولى هاربا ، ولم يصبر لوقع المشرفيّة « 4 » ، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ، ونجا جريضا « 5 » بعد ما أخذ منه بالمخنّق « 6 » ، ولم يبق منه غير الرّمق ، فلأيا بلأى « 7 » ما بحا .

--> - وأرى أن الوجه الذي ذهبت أنا إليه في ذلك أقرب وأرجح . ومن طريف ما تعقب به ابن أبي الحديد الراوندي هنا ما يأتي : قال الراوندي : « قوله سلطان ابن أمي يعنى نفسه أي سلطانه لأنه ابن أم نفسه ، وهذا من أحسن الكلام » قال ابن أبي الحديد : « ولا شبهة أنه على تفسير الراوندي لو قال « وسلبونى سلطان ابن أخت خالتي أو ابن أخت عمتي » لكان أحسن وأحسن ، وهذا الرجل قد كان يحب أن يحجر عليه ولا يمكن من تفسير هذا الكتاب ، ويؤخذ عليه أيمان البيعة أن لا يتعرض له » . ( 1 ) أي يقرب ، والجريدة : خيل لا رجالة فيها . ( 2 ) طفلت الشمس : مالت للغروب . ( 3 ) وفي ابن أبي الحديد « فتناوشوا القتال قليلا كلاولا » ، والعرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شئ خفى ، قالوا : كان فعله كلا ، وربما كرروا فقالوا : كلاولا . قال الشاعر : * يكون نزول القوم فيها كلاولا * ( 4 ) المشرفية : السيوف ، نسبة إلى مشارف الشام : وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف : ( 5 ) جريضا : أي مجهودا يكاد يقضى ، من جرض بريقه كفرح ( لا ككسر ) إذا ابتلع ريقه على هم وحزن بالجهد ( والجريض أيضا : الغصة ) وفي المثل : « حال الجريض دون القريض » أي دون الشعر ، يضرب لأمر يعوق دونه عائق ، قاله جوشن الكلابي حين منعه أبوه من الشعر فمرض حزنا ، فرق له وقد أشرف ، فقال : انطق بما أحببت ، فقاله ، والحريض بالحاء : الساقط لا يقدر على النهوض . ( 6 ) يقال أخذه بخناقه بالكسر والضم ومخنقه أي بحلقه : محل ما يوضع الخناق بالكسر وهو الحبل يخنق به ، ومن أمثالهم « بلغ منه المخنق » وهو مثل يضرب لمن يحمل عليه حتى يبلغ منتهاه ، والرمق : بقية الروح . ( 7 ) اللأى : المشقة والشدة والجهد ، وأصله البطء والاحتباس وفعله كسعى ، يقولون لأيا عرفت وبعد لأي فعلت : أي بعد جهد ومشقة . قال زهير في معلقته : وقفت بها من بعد عشرين حجة * فلأيا عرفت الدار بعد توهم وفي حديث أم أيمن « فبلأى ما استنفر لهم رسول اللّه » أي بعد مشقة وجهد وإبطاء ، وقال الشاعر : « فلأيا بلأى ما حملنا غلامنا » أي جهدا بعد جهد قدرنا على حمله على الفرس فهو منصوب على المصدر القائم مقام الحال كطلع بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا ولقيته التقاطا ورأيته عيانا والعامل في المصدر محذوف أي نجا مبطئا مجهودا والباء في الثاني بمعنى البعدية ، وما زائدة أو مصدرية ، وفي الإمامة والسياسة « فلو لا الليل ما نجا » .